ــــــــــــ السلام على الشيب الخضيب ... السلام على الخد التريب ... السلام على البدن السليب ... السلام على الثغر المقروع بالقضيب ... السلام على الرأس المرفوع ... السلام على الأجسام العارية في الفلوات ... السلام على المرمّل بالدماء ... السلام على المهتوك الخباء ... السلام على خامس أصحاب الكساء ... السلام على غريب الغرباه ... السلام على شهيد الشهداء ... السلام على قتيل الأدعياء ... السلام على ساكن كربلاء ... السلام على من بكته ملائكة السماء >>> يا حسين يا حسين ياحسين يا عطشان يا عطشان ياعطشان ......... إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك ، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك إلهي ان طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي فما انا مؤمل غير غفرانك ، ولا انا براج غير رضوانك إلهي افكر في عفوك فتهون علي خطيئتي ثم اذكر العظيم من اخذك فتعظم علي بليتي ، ...................آه إن انا قرأت في الصحف سيئة انا ناسيها وانت محصيها فتقول خذوه فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولا تنفعه قبيلته ، ويرحمه الملا اذا اذن فيه بالنداء ، ....................آه .. من نار تنضج الاكباد والكلى ...................آه .. من نار نزاعة للشوى ................آه .. من غمرة من ملهبات لظى

الأحد، 14 ديسمبر 2008

حافظ القرآن بإعجاز من بقية الله

حافظ القرآن بإعجاز من بقية الله

إذا أراد المرء أن يتخلق بأخلاق الامام بقية الله (ارواحنا فداه) ، فيكون قريباً منه مرتبطاً به ، و مستريحاً من شر الشيطان و النفس الأمارة .. فعليه – بلا شك – أن يعنى بتهذيب نفسه و يحافظ على اخلاص نيته ، كما قال الشاعر :
فان ترد صحبته وحده فانفض يداً من كل شيئ سواه

و على أقل تقدير ينبغي له أن يعمل بما يعلم – خالصاً لوجه الله (تعالى ) ، فقد جاء في الخبر:
( من عمل بما علّمه الله .. علم ما لم يعلم ) . و صاحب التقوى – في الواقع – هو من يتعلم للعمل ، فلا يغفل في هذه المرحلة عن أدنى تكليف .. و يتسم بالدقة في أداء وظائفه.
و في المرحلة اللاحقة عليه أن يخلص دينه لله ، فلا يقوم بعمل بدون خلوص في النية .

و عندئذ .. يصبح الانسان موضع عناية من الامام بقية الله (روحي و أرواح العالمين له الفداء).
و في هذا الصدد ثمة واقعة عجيبة .. أرويها للقراء الأعزاء :(السيد حسن الأبطحي)
في سنة ( 1332 هـ ش ) كنت حديث العهد بالحوزة العلمية في قم . و لهذا أقمت مدة خمسة عشر يوماً هناك في دار آية الله الشيخ محمد الرازي قبل ترتيب مسألة سكناي . و في هذه المدة كان في دار الشيخ الرازي ضيف آخر ، اسمه : كربلائي محمد كاظم كريمي.

في وقتها كانت لي علاقة ما بحركة (فدائيان اسلام) ، و بقائدها المرحوم حجة الإسلام سيد مجتبى نواب صفوي – على الخصوص.

و قد لاحظت أن المرحوم نواب صفوي و الشيخ الرازي يعاملان كربلائي محمد كاظم بكثير من الاحترام .. لا لأنه رجل عالم ، و لا لأنه ذو نفوذ و منزلة ، و لا لأنه ثري له شأن . و انما – وهذا الدافع الوحيد- لأنه حظي بأن يصبح موضع عناية من الامام بقية الله (روحي له الفداء) ، فوهبه الامام (عليه السلام) ثروة معنوية عظمى . وما ذاك إلا لأن هذا الرجل كان قد عمل بما يعلم من أحكام الاسلام .

و هذه الثروة التي فاز بها هي أنه أمسى – في لحظة واحدة – حافظاً القرآن كله عن ظهر قلب . و علاوة على هذا .. فإن حفظه لم يكن كسائر الحفظ ، ذلك أنه ( عليه السلام ) قد أودع في حافظة هذا الرجل خواص كل آية و كل سورة ، ومالها من المزايا.

و خلال الخمسة عشر يوماً هذه التي عاشرته فيها .. شهدت منه عدة وقائع ، أذكرها هنا للقراء ليعلموا أن هذا الحفظ للقرآن ما كان شيئاً عادياً . فلو أن شخصاً يمتاز بحافظة مرهفة لما استطاع – في مئة سنة – أن يبلغ ما بلغه كربلائي محمد كاظم ! و جدير بالذكر هنا أن هذا الرجل كان قليل الحفظ ، ضعيف الاستعداد ، بسيط .. بحيث أني تعمدت – و باصرار كثير – خلال الأيام الخمسة عشر أن يحفظ اسمي مع لقبي .. ليكون في حافظته مع مخزونها من القرآن الكريم .. و لكنه لم يستطع ذلك إلا في الأيام الأخيرة ، و بعد جهد جهيد .

أتمنى لو كنتم قد رأيتموه بقلة حفظه و بساطته و ضعف استعداده .. و أذن لرأيتم كم هي معجزة عجيبة مسألة حفظه القرآن . على أنه لم يكن قد حفظ القرآن على النمط المألوف ، فالحوادث التي سيأتي ذكرها – و التي حدثت بحضور العلماء و المراجع – تدل على أن هذا الحفظ لم يتحقق على نحو عادي أبداً . و أضرب مثلاً على ذلك .. ما فعله يوماً المرحوم حجة الاسلام سيد عبدالحسين الواحدي ( أحد كبار حركة فدائيان اسلام ) فأنه جهد خلال أيام أن يختار من بضع سور قرآنية كلمات متفرقة ، جعلها في سياق واحد و كأنها آية متكاملة و عندما قرأ جمعه أمام بعض العلماء لم يشك أحد في أنه كان يقرأ شيئاً من القرآن . و لكن ( كربلائي محمد كاظم ) كان الوحيد الذي اعترض عليه قائلاً : هذه الكلمة من السورة الفلانية ، و تلك من السورة الفلانية الأخرى .. حتى شخـّّص حوالي عشرين كلمة ، و نسب كلاً منها إلى مواضعها من سورها المحددة .. و كان يتلو ما قبل كل كلمة و ما بعدها من عبارات السورة المحددة .. و كان يتلو ما قبل كل كلمة و ما بعدها من عبارات السورة . و قال له أيضاً : و أضفت حرف (الواو) من عندك عدة مرات لتصل بين الكلمات ، من أجل أن تختبرني ! حذ هذا بمحضر طائفة من العلماء الذين راقهم ما رأوه من كربلائي كاظم و استحسنوه ، حتى أن أحد كبار العلماء نهض من مكانه و قبل يده .

في أحد تلك الأيام أردت أن اعرّفه لرجل ، فقلت لهذا الرجل : أنه يحفظ القرآن كله .. كما نحفظ نحن سورة ( الفاتحة ) .
فالتفت إلى كربلائي كاظم قائلاً : أتعني أنك تحفظ سورة ( الفاتحة ) حفظاً جيداً ؟ !
قلت : بلا شك ؛ فأنا أقرؤها في الفرائض كل يوم عشر مرات في الأقل .

فقال لي : أذن .. ما هي الكلمة التي تتوسط سورة (الفاتحة ) ؟
أردت أن احسب الكلمات لأتعرف على وسط السورة لكنه ابتدرني قائلاً : كلا ، قل هكذا .. بدون أن تحسب .
قلت : لا أدري . فقال : الكلمة التي في وسط سورة (الحمد ) هي كلمة ((نستعين)) قبلها اثنتا عشرة كلمة ، و بعدها اثنتنا عشرة كلمة . وهي واقعة بين هذه الأثنتي عشرة و بين هذه الأخرى.

و من خلال اختبارات عديدة .. عرفت أنه يعرف كلمات القرآن كلها على هذه الشاكلة . و متى ما سألته عن موقع الكلمة الفلانية في ترتيب كلمات القرآن .. فانه يجيب على الفور و بدون أدنى تأخير ، كأن يقول : هذه الكلمة الألف و مئة و احدى و عشرين في ترتيب كلمات القرآن . و كذا كان شأنه في معرفة تسلسل الآيات . و حتى إذا اردت معرفة عدد الحروف ، أو مرات تكرر لفظة ما في القرآن ... فأنه يجيبك بلا تردد.

قلت له يوماً : ان (فلاناً ) عليه دين كثير ، وقد طلب مني أن أدعو له بأداء دينه ..فإذا كان لديك شيئ يفيده في هذا المعنى فقل لي ، أوصله إليه.

قال : أنا لا أعرف شيئاً غير القرآن . فإذا رغبت فإني أعطيه من القرآن ما يفيده في أداء قرضه .. بشرط ألا تخبر أحداً غيره ، و ألا يخبر هو شخصاً آخر ، و ألا فانه يفقد أثره . أجبته إلى ما اشترط ، فقال : قل له يقرأ هذه الأية الشريفة كذا عدد .. لمدة عشرة أيام ، و هي قوله (تعالى) : و من يتق الله يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب ، و من يتوكل على الله فهو حسبه أن الله بالغ أمره ، قد جعل الله لكل شيئ قدرا.
أخبرت الرجل بما ذكره كربلائي كاظم ، فعمل به ، و في اليوم العاشر استطاع سداد القرض الذي عليه – و قد كان مبلغاً كبيراً ، لا يدري كيف يفي به .

احدى خصائصه التي حيرت الجميع – و ربما كانت أكثر شيئ امتحن به و اختبر – هي أنك إذا وضعت في يده أية نسخة من المصحف الشريف .. حتى لو كانت نسخة خطية عائدة إلى شخص بعينه ، ثم طلبت منه أن يستخرج آية معينة .. فانه – و بدون أن يقلب أوراق المصحف – يفتح المصحف لتجد الآية المقصودة في إحدى الصفحتين اللتين ظهرتا عند فتح المصحف ، فيشير أمامك إلى الآية ببنانه .

و أعجب من هذا أنه إذا أعطي كتاباً عربياً ، مثل (المكاسب) أو ( شرح اللمعة الدمشقية) – و فيهما آيات قليلة جداً و لم تكتب بحروف متميزة – ثم طلب إليه أن يميز الآيات الموجودة على الصفحات .. فانه يدلـّك – من فوره – على تلكم الآيات ، حتى لو كانت قصيرة ، قائلاً : هذه العبارة من الآية الفلانية في السورة الفلانية.

في أحد الأيام ..كنت أقرا في كتاب عربي ، فأشار إلى كلمة في السطور ، و قال : هذه الكلمة من القرآن . خلت – في البدء – أنه غير قادر على أن يحدد كون هذه الكلمة العربية من القرآن ، أم انها كلمة عربية من غير القرآن . و على سبيل المثال .. فإن كلمة (كفروا) قد تكون قرآنية أو لا تكون كذلك . و لكني وجدت – و أدهشني هذا – أن الكتاب المشار إليه كان يتحدث عن هذه الكلمة من القرآن .. من الوجهة اللغوية.
عندئذ سألته : كيف تعلم هذا ؟
فاجاب : حين أفتح كتاباً يحتوي على آيات قرآنية .. فإن الكلمات و الآيات القرآنية تتلألأ أما عيني نوراً ، فأشير إليها باصبعي مباشرة .
كان يختم القرآن الكريم مرة في كل يوم و ليلة . أي أنه كان يقرأ كل جزء من القرآن في خمس عشرة دقيقة .
و أغرب من هذا أنه كان بوسعه أن يقرأ آيات و القرآن و سوره من الآخر إلى البدء .. بنفس هذه السرعة .

و لإدراك أهمية هذه المسألة ، جرب أن تقرأ سورة ( التوحيد) من آخرها إلى بدئها .. ( أحد كفواً له يكن و لم يولد و لم يلد لم الصمد الله احد الله هو قل ) !

أن إيراد هذه الوقائع التي كانت شاهداً لها ، كما شهدها مئات العلماء – و منهم مراجع كبار كالمرحوم آية الله العظمى البروجردي ، و آية الله العظمى السيد محسن الحكيم – لربما يرسم ملامح صورة ما عن حالة حافظ القرآن : كربلائي محمد كاظم . و مع هذا كله فـ ( ليس الخبر كالمعاينة ) ، و ما راءٍ كمن سمعا ) !

و على أي حال .. فلو كان قدر لك أن ترى هذا الرجل عن قرب لأيقنت أن حفظه القرآن الكريم لم يكن من الطور المألوف في حفظ الحفاظ . و لربما كنت قد استعنت به – كما استعان المرحوم آية الله العظمى البروجردي – لتصحيح بعض القراءات القرآنية المدونة بها المصحف . و أدنى ما يستفيده المرء من معاشرة هذا الرجل أن تتأكد لك – لدى معاينة هذه المعجزة العجيبة – عظمة فعل الله (جل جلاله ) ، و عظمة دينه الحق و قرآنه المجيد.

أجل .. أن لهذه الحالة ينبوعاً صدرت منه .. فما هو هذا الينبوع ؟

روى لي المرحوم كربلائي محمد كاظم أصل الواقعة التي جرت له ، فقال :
في أيام المحرم ... قدِم إلى قريتنا (ساروق) الواقعة في ضواحي مدينة (أراك) واعظ للارشاد ، كان يرتقي المنبر في الليل للموعظة و التبليغ . أيامها كنت شاباً أجد في داخلي رغبة لتعلم المعارف و الأحكام الإسلامية .. فكنت أقصد مجلس لأستمع إليه.

و في أحد الليالي .. تحدث عن مسألة (الخًُمس ) و ( الزكاة ) . و كان فيما قال : لو أن أحداً لا يدفع ما عليه من الخُمس .. فإن صلاته غير صحيحة ؛ ذلك لأن خمس المال غير المخمّس أنما هو للسادة و لامام الزمان (عليه السلام) . و من الجائز أن تكون ثيابك التي ترتديها ، و دارك التي تسكنها .. قد اشتريتها بأموال غير مخمّسة .

أي : قد اشتريتها بأموال خُمسها يخص السادة و امام الزمان (عليه السلام) .. فتكون – بهذا – قد تصرّفت بها غاصباً لها . و ظل هذا الواعظ يتحدث تلك الليلة عن أمور من هذا القبيل.

و كنت قبلها قد عزمت – بيني و بين نفسي – أن أعمل بكل ما أتعرف عليه من أحكام الدين و أتعلمه . من حينها شرعت أتساءل عن واقع أموال مالك الأراضي التي نعمل فيها في قريتنا . و بعد تتبع يسير علمت أنه لا يدفع ما عليه من الخمس و الزكاة . في البداية ذكـّرته بهذه المسألة فلم يعرني أذناً صاغية . فكان أن قـرّرت ألا أظل في القرية ، و لا أعمل لحساب مالك الأراضي ، و أن أوّلي وجهي إلى مكان آخر . و لم يوافق أهلي و أقاربي – و خاصة أبي – على هذا القرار . و لكني لم أذعن لأحد ؛ خشية من الله . و في احدى الليالي خرجت فارّاً من القرية في الظلام .

و في قرية مجاورة .. اشتغلت – تمشية لأمور المعيشة – عاملاً و حطاباً .. لمدة ثلاث سنوات تقريباً ..و حدث في أحد الأيام أن عرف مالك الأراضي المذكور مكان عملي الجديد .. فأرسل إلى من يخبرني بأنه قد تاب إلى الله ، و أنه بدأ يدفع ما هو مستحق عليه من الخمس و الزكاة . و أوصى لي : أنه يود لو أعود إلى القرية لأكون إلى جوار أبي . عندها رضيت أن أعود إلى القرية . و هناك أعطاني المالك قطعة أرض ، رحت أزرعها و أعمل فيها نصف نهار كل يوم . أما غلة الزرع .. فكنت أقسم نصفها بين فقراء القرية ، و أعمد إلى إعانة كثير من المحتاجين و المعوزين .. و أود لو أكون دائماً في عون ذوي الفاقة و المحرومين.

كان يوماً صائفاً ذلك اليوم الذي خرجت فيه إلى المزرعة ، لأفصل التبن عن حب القمح . كنت أنتظر هبوب ريح مواتية ، لأقوم بالتذرية . أنتظرت طويلاً .. و لكن ما ثمة نسمة هواء. لقد كان الجو ساكناً تماماً . عندها قفلت راجعاً إلى القرية و في الطريق لقيني أحد فقراء القرية فقال لي : هذه السنة ما أعطيتني شيئاً من محصولك .. أنسيتـني ؟! قلت : كلا – لا قدر الله .. أنا لا أنسى الفقراء . و لكني لم أجمع المحصول حتى الآن . و أطمئنّ إلى أن حقك محفوظ.

سـُر الرجل ، و مضى تلقاء القرية .. بيد أن قلبي لم يقر له قرار ، فعدت من فوري إلى المزرعة ، و جمعت – بعناء كثير – مقداراً من القمح ، وحملته لهذا الرجل الفقير .. كما حملت معي كمية من العلف لأغنامي . كان الوقت على مشارف العصر لما حملت القمح و العلف ، و سرت نحو القرية.

و قبل أن أبلغ القرية وصلت إلى مزار أحد أبناء الأئمة . و هو المزار المعروف باسم – الأثنين و السبعين شخصاً – و قد دفن فيه أثنان من أبناء الأئمة (عليهم السلام) هما : جعفر و صالح . و جانب من هذا المزار يقال له : (الأربعون فتاة ).

جلست للاستراحة عند عتبة المزار ، و وضعت القمح و العلف جانباً.. و رحت أنظر إلى المدى البعيد . في ذلك الوقت لفت نظري رجلان شابان يتقدمات صوبي . أحدهما ذو قامة ممشوقة رائعة و له هيبة عجيبة و جلال . كانا يرتديان ثياباً عربية .. و قد أعتمر كل منهما عمامة خضراء . ثم لما وصلا إلى – و لم أكن قد رأيتهما من قبل – ناداني الرجل الجميل المهيب باسمي ، قائلاً : كربلائي كاظم .. تعال نذهب لنقرأ (الفاتحة) لابن الامام هذا . قلت له : يا سيد .. ذهبت إلى زيارته قبل قليل . و علىّ أن أعود الآن ، لأوصل العلف إلى الدار.

قال : حسناً جداً .. ضع هذا العلف إلى جوار الحائط ، و تعال معنا نقرأ ( الفاتحة) . طاوعته و مضيت إلى جهة السيد الثاني .. و تبعتها فدخلت المزار . في ذلك الوقت وجدتهما يقرءان شيئاً لم أتبينه . فبقيت واقفاً بمحاذاة الضريح صامتاً . لكني فوجئت إذ وقع نظري على كتيبة رأيتها في أطراف السقف . كانت ثمة كلمات من نور ! التفت إليّ الرجل الجليل المهيب و قال : كربلائي كاظم .. ما بالك لا تقرأ؟
قلت : يا سيد .. أنا لم أذهب إلى الملا. (1) لا أعرف القراءة و الكتابة .
فقال : و لكن عليك أن تقرأ . ثم دنا منـّي ، و وضع يده على صدري و ضغط عليه بقـوّة و قال : اقرأ الآن . قلت : ماذا أقرأ فقال : أقرأ هكذا :
(( بسم الله الرحمن الرحيم . إن ربكم الله الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرض يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، و الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره ، ألا له الخلق و الأمر تبارك الله رب العالمين)

قرأت بقراءة هذا الرجل ، و قرأت بقرأءته أيضاً بعدها أ ٌخر. و كان ما يزال واضعاً يده على صدري .. حتى بلغت آخر الآية التاسعة و الخمسين ، حيث تختتم بهذه العبارة : ( أني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ).

عندها أردت أن أقول لهذا الرجل شيئاً ، فحولت وجهي إليه .. لكني لم أجد أحداً ، ولم أر أثراً لهذا الرجل الذي كان واضعاً يده على صدري إلى آخر لحظة . أما الكتيبة التي كانت في السقف .. فقد توارت كذلك .

لحظتها .. داخلني هول عجيب ، لم اشعر بعده بما جرى . إذ وقعت على الأرض فاقد الوعي.
كان الوقت مقارباً لطلوع الفجر لمّا أفقت . الفضاء ما يزال في ظلمته . لقد أنـُسيت

________________________
1- الملا : أي معلّم الصّبيان و يراد به في الاصطلاح : المكتب الذي كان الأولاد و البنات في الأجيال الماضية يتعلمون فيه مبادئ القراءة و الكتابة و قراءة القرآن الكريم . (المترجم)
2- سورة الأعراف : 54


تماماً ما كان حدث لي أمس . بقيت عدة دقائق كمن يستيقظ من النوم و لا يدري أين هو ! تطلعت حولي ، و أنا أحسّ بتعب شديد في بدني . وحين فطنت إلى أني كنت نائماً عند المزار أخذت أعنـّف نفسي و أوبـّخها : أما وراءك شغل و عمل ؟! ماذا تصنع هنا ؟!

و مهما يكن .. فقد نهضت و خرجت من المزار . ثم حملت العلف على كتفي . و في الطريق تنبهت إلى أني أعرف كلمات عربية كثيرة . و على حين غـّرة تذكرت ما حدث لي أمس ، و كيف كنت مع ذلك السيد الجليل المهيب .. فتملكني – مرة أخرى – فزع و رعب . و لكني مضيت هذه المرة حتى أنتهيت إلى البيت .

و في البيت طفق أهلي يعنـّفوني قائلين : أين كنت من أمس إلى الآن ؟! أين كنت في الليل ؟! و لكني لم أنطق بحرف ، و وضعت العلف أمام الأغنام . و حين طرّ الصباح حملت القمح إلى دار ذلك الرجل الفقير و سلمته أياه . ثم خففت مباشرة إلى إمام جماعة القرية الشيخ صابر الأراكي ، وقصصت عليه ما جرى لي من أوله إلى آخره . فقال لي امام الجماعة :اقرأ ما تعرف، فقرأت . فقال : هذه آيات قرآنية ! و ظل يختبر حفظي ساعات ، فكنت أجيب عن كل ما أراد . بعدها بدأ خبري يذيع شيئاً فشيئاً بين أهل القرية ، و أنا عاكف على عملي في الزراعة و تدبير شؤون المزرعة .. حتى كان يوم ذهبت فيه إلى قرية (شهاب) الواقعة قرب (ملاير) لانجاز عمل لي هناك . و في قرية (شهاب أبلغ أهاليها بخبري السيد اسماعيل العلوي البروجردي الذي كان من علماء (ملاير ) .. فجاء السيد اسماعيل لرؤيتي ، و اصطحبني – بعد الحاح منه و الحاف – إلى (ملاير) . وهناك حكى قضيتي بمحضر عدد شخصيات (ملاير ) ، فكانوا يختبروني في حفظ القرآن ، و قد تملكهم العجب . ثم كان رأي علماء (ملاير ) أن يشيعوا خبري في إيران كلها ، ليرى الناس كيف يمنّ الامام صاحب الزمان ( عليه السلام) على رجل أدّى واجباته باخلاص.

عـّرفوني- أول ما عـّرفوني – على آية الله العظمي السيد البروجردي .. فكان يمتحن حفظي مرات و مرات ، حتى أطمأن إلى أن امام العصر ( عليه السلام) قد جاد على حقاً بلطفه و منـّته .

و قابلت رجال الحوزة العلمية و كافة علماء قم الكبار ، فأقرّوا بهذه الحقيقة . ثم أخذني عدة من التجار ( وقد نسيت أسماءهم ) إلى النجف الأشرف و كربلاء المقدسة بهدف لقاء علمائها .. و صحبني في سفري هذه عدة أشخاص . و في النجف و كربلاء التقيت بالعلماء و المراجع هناك . و لا يحضرني الآن من أسمائهم غير اسم آية الله العظمى السيد الميلاني – الذي كان آنذاك في كربلاء .. و غير أسم آية الله العظمى السيد الحكيم في النجف ، فعاملوني بكثير من المودة . و كلـّهم قد أقر باعجاز الامام وليّ الأمر (أرواحنا فداه) و لمّا عدت إلى إيران .. أهتمّت بي جماعة (فدائيان اسلام)
و ها أنا ما أزال في قم أتحدث إليك . هذا هو مختصر قضيتي .

حكى لي كربلائي كاظم هذا كله .. فشكرت له ذلك . و كنت قد دونت قضيته إلى هذا الحد . و قد وفقت اليوم لأرويها للقــّراء الأعـّزاء .

ولي العصر (عليه السلام ) حاضر و ناظر

ولي العصر (عليه السلام ) حاضر و ناظر
معجزه على لسان الشيخ محمد تقي الهمداني مع قليل من التصرف
يـوم الاثـنـيـن الثـامن عشر من شهر صفر عام ( 1397 ه‍ ) اصيبت زوجتى بسكتة جزئيّة قعدت بها ، و ذلك على اثر وفاة ولديها بعد سقوطهما من جبال شميران ( فى طهران ) . و لم تجدها نفعا مراجعاتها الاطبّاء . حـتـى اذا كـانـت ليـلة الجـمـعة ( 22 ) صفر ( اى بعد اربعة ايام على مرض زوجتى ) . . ذهبت فى الساعة الحادية عـشرة الى غرفتى للاستراحة . فعنّ لى ان اتلو قبل الاستراحة آيات من القرآن الكريم ، و ادعية ليلة الجمعة ، و اتـوسّل بالامام بقيّة اللّه ( عليه السلام ) ، لشفاء زوجتى من دائها . . فلعلّ اللّه ( تعالى ) ياءذن للامام ( عليه السلام ) فى اغاثتنا . و سـبـب تـوجـّهـى مـبـاشـرة الى الامـام ( عـليه السلام ) دون ان اطلب حاجتى من اللّه ( تعالى ) انّ ابنتى الصغيرة فـاطـمـة كانت قد ارادت قبل مرض زوجتى بشهر تقريبا ان اقرا لها قصص الذين حصلوا على عنايات من الامام بقيّة اللّه ( روحى فداه ) و شملهم عطفه و احسانه . فوافقت على طلب هذه البنت ذات العشر سنين ، فكنت اقرا لها احيانا فى كتاب " النجم الثاقب " للميرزا النورىّ . مـن اجـل هـذا خـطـر لى هـذا التـسـاؤ ل : لمـاذا لا اتـوسـّل انـا كـذلك بـالامام ( عليه السلام ) و احظى بمرادى كما فـعـل مـئات الذيـن لقـوا الامـام و نـالوا مـبـتـغـاهـم ؟! و لهـذا - و كـمـا قـلت - رحـت فـى حدود الساعة الحادية عشرة اتوسّل بالامام ( عليه السلام ) بقلب مغموم و عينين باكيتين . . حتى نمت . و فى الساعة الرابعة بعد منتصف ليلة الجمعة افقت ، كما هى العادة ، من النوم . عندها لفت انتباهى صوت همهمة ياءتى من الغرفة السفلى التى ترقد فيها مريضتنا . ثمّ اخذ الصوت يقوى شيئا فشيئا و يشتدّ نزلت
الى الغرفة فوجدت ابنتى الكبرى - التى عادة ما تكون غافية فى مثل هذا الوقت - فى حالة عالية من النشاط و السرور . و ما ان وقع نظرها علىّ حتى قالت : ابشّرك يا بابا . . شفيت امّى ! قلت : و من شفاها ؟! قـالت : قـبـل دقـائق ايـقـظـتـنـا امـّى ( نـحـن الثـلاثـة ) مـن النـوم بـصـوت عـال و بـعـجـلة و اضـطراب ، و هى تقول : انهضن لتوديع الامام . . انهضن لتوديع الامام . و لانّها فكرت انّ الامام سوف يذهب قبل ان ننهض . . فقد قامت هى نفسها و ذهبت تتبع الامام الى باب الدار ، مع انّها لم تستطع ان تتحرك من مكانها منذ اربعة ايّام . و لانى كنت اتولّى رعايتها ( و الكلام مايزال للبنت الكبرى ) فقد مضيت خلفها بعد ان ايقظنى صوتها . و عجبت هـى - كـمـا عـجـبـت انـا - مـن هـذه القـدرة التـى جـاءتـهـا بـحـيـث اسـتـطـاعـت ان تهرول الى هذا المكان ! فى هذه اللحظة : ساءلتنى امّى : اانا نائمة ام يقظى ؟! قلت لها : ماما . . لقد عافاك . اين كان الامام لمّا كنت تناديننا لنودّع الامام ؟ و اذن لماذا لم نره نحن ؟! قـالت امـّى : كـنـت نـائمـة و انـا عـلى حـالى لااقـوى على پالحركة . . فشاهدت سيّدا شريفا عظيما رفيع الشاءن يـرتـدى زى اهـل العـلم . لم يـكـن شـابـا يـافـعـا و لاكـبـيـر السـنّ جـدّا . جـاء الىّ و قال : قومى ، لقد عافاك اللّه . قلت له : لا استطيع القيام . فقال لى بنبرة جادّة : عوفيت . . فقومى . و ازاء هـيـبـة الرجـل العـظـيـم ( الذى هـو يـقـيـنـا الامـام صـاحـب الزمـان ( عـليـه السـّلام )) قـمـت . و قـال لى الامـام : لاتـتـنـاولى الدواء بـعـد الا ن ، و لاتـبـكـى . و لما اراد الانصراف ايقظتكنّ لتودّعْنَه ، و لكنى اذ وجدتكنّ متثاقلات نهضت بنفسى ، و ذهبت وراءه
حتى باب الدار .
المـدهـش فـى الامـر انّ المـريـضـة العاجزة عن الحركة قد غدت منذ تلك اللحظة صحيحة سالمة قادرة على القيام و الحركة . المريضة التى قد اصاب عينها اليمنى غبش فى الرؤ ية على اثر السكتة . . قد عوفيت على الفور . المريضة التى لم تتناول طعاما على الاطلاق مدة اربعة ايام قد افصحت فى تلك اللحظة عن جوعها و طلبت ان يؤ تى لها بطعام . المـريـضـة التـى كـان قـد ذهـب رونـق وجـهـهـا . . عـاد اليـهـا رونـقـهـا فـى الحال . و اخيرا . . المريضة التى كانت تبكى على الدوام . . قد خرج من قبلها الهمّ و الغم منذ امرها الامام الاّ تبكى . و حتى مـرض الرومـاتـيـزم الذى كـان قد حلّ بها قبل خمس سنوات و لم يستطع الاطباء معالجة . . قد شفيت منه ايضا بلطف الامام بقيّة اللّه ( عليه السلام ) . و رويـت هـذه الحـادثـة للدكـتـور ( دانـشـى ) احـد الاطـبـاء الذيـن كـانـوا يـعـالجـونـهـا . قال : ما كان اصابها من السكتة لايمكن معالجته ابدا بالوسائل العاديّة ، فلابدّ انها عوفيت بوسيلة غير عادية . و تقدّما بالشكر ازاء هذه النعمة الكبرى . . اقمنا مجلس عزاء بمناسبة ( الايّام الفاطميّة).
و الحمدلله رب العالمين ، وصلى الله على محمد و آله المعصومين ، لا سيما امام العصر و ناموس الدهر قطب دائرة الامكان .. الحجة ابن الحسن العسكري (صلوات الله عليه).
################
و هنا نلاحظ أن هذا العالم الجليل قد خطر له خاطر التوسل بالامام صاحب الزمان (عليه السلام ) ليحظى بمراده ، تشبهاً بمئات الذين فازوا بلقاء الامام (عليه السلام) .. و ما ذاك إلا على أثر قراءته لابنته ذات العشر سنين بعض وقائع التشرف باللقاء ، مع أنه بلا شك لم يكن ذا إقبال كامل على هذه الوقائع حين كان يقرأ لابنته . و لهذا توسل بالامام ولي العصر(عليه السلام) فحضر (صلوات الله عليه ) إلى دار هذا الرجل و وهبه ما كان أراد.
على هذا – و في اعتقادي – فان أدنى فائدة في مطالعة مثل هذه الكتب أن يصير المرء إلى هذه الفكرة ، و هي أن عليه أن يتوسل بقوة الإمام (عليه السلام) ، و أن يعتقد بإيمان راسخ أن ولي العصر (عليه السلام ) حاضر و ناظر.

الغيبة الكبرى وتكذيب المشاهدة والقيادة المرجعيه

الغيبة الكبرى وتكذيب المشاهدة
بسم الله الرحمن الرحيم
يا عليّ بن محمدٍ السمّري؛ أعظم الله أجر إخوانك فيكَ، فأنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام، فأجمع أمرك ولا توص إلى أحدٍ، فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً.
وسيأتي إلى شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السّفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

الغيبة والقيادة المرجعية
... أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك، ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا. فاعلم: أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح.
وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل أخوة يوسف (عليه السلام).
وأما الفقاع فشربه حرام ولا بأس بالشلحاب [شلماب].
وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا. فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما آتانا الله خير مما آتاكم.
وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقّاتون.
وأما قول من زعم أن الحسين لم يقتل، فكفر وتكذيب وضلال.
وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله.
وأما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي.
وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي، فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكّه.
وأما ما وصلتنا به، فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب وطهر، وثمن المغنّية حرام.
وأما محمد بن شاذان بن نعيم، فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت.
وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فإنه ملعون وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فاني منهم بريء، وآبائي (عليهم السلام) منهم براء.
وأما المتلبسون بأموالنا، فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران.
وأما الخمس فقط أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا، لتطيب ولادتهم ولا تخبث.
وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل قال:
(يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).
إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه.
وإني أخرج - حين أخرج - ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي.
وأما وجه الانتفاع في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحابوإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم قد كفيتم وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى.

الحضارة والتكتلات

الحضارة والتكتلات
الناس- في القرن العشرين - تمزقوا بفعل عاملين:
1- عامل الحضارة المادية، التي تصاعدت بقوة لتصنيع أكثر مظاهر الحياة حتى بهر وهجها الألباب، فافتتن بها قطاع كبير من الناس، ظانين أنها القمّة النهائية للحياة، فجرفتهم إلى الإلحاد بكل ما وراء المادة.
2- عامل التكتلات الدينية التي تصاعدت بقوة - في تنظيمات رجال الدين وفي تجمعات سياسية - حتى كادت تغطي ثلثي المجتمع، فتجاوب معها قطاع كبير من البشر، قائلين بأن الحضارة المادية لا تعبر إلا عن وجه واحد من وجهي الحياة.
هكذا تمزق الناس بفعل هذين العاملين، فمن كان قريباً من قواعد الحضارة المادية تمسك بمعطياتها واعتبر الدين مرحلة تجاوزها الإنسان، ومن كان قريباً من قواعد التكتلات الدينية تمسك بمعطياتها، واعتبر المادية وسيلة لتجاوز الحياة. أما الأكثرية الساحقة من الناس، فأخذوا بمعطيات الحضارة المادية، لتنعيم الحياة وتسهيلها، متسترين بغطاء رقيق من الإيمان بمجمل الأديان، من الاعتراف بوجود الله، وصحة كتبه وصدق رسله في التبشير بالحياة الآخرة، وأما التفاصيل والفروع فلا يجدون ما يلزمهم بها، وربما ? يجدون من يقنعهم، وقد ? يجدون وازعاً داخلياً يدفعهم إلى الاهتمام بها، وإهمال مباهج الحياة ومشاكلها، فيفضلون الاكتفاء من الدين بتزويد ما يردده المجتمع، وأكثر المجتمعات لا يردد من الدين إلا معطياته المتجاوبة مع المفاهيم المألوفة في الذهنيّة العامة.
وإذا عرفنا أن الذهنية العامة تؤمن بالمألوف بلا محاكمة، وترفض غير المألوف بلا مناقشة، عرفنا لماذا يكون إيمان الناس - غالباً - غطاءً رقيقاً يتسترون به.
من هنا نعرف السبب تهرب الناس - عادة - من الخوض في الحوار حول القضايا الفكرية من الأديان، وفي اتهامها بأنها قضايا ميتافيزيقيّة، أو بأنها قضايا إيمانيّة مجردة لا جدوى منها، وفي محاولة إنكار مردودها، مهما كان مردودها في حياتهم الفردية والاجتماعية.
ومن هذه القضايا:
1- قضية الروح وتطوراتها.
2- قضية الروحانيات غير المحسوسة كالملائكة والجن والشيطان.
3- قضية المعجزات وكيفية صدورها.
4- قضية حكومة الإنسان في سائر المخلوقات.
5- قضية المصلح المنتظر، التي تعبر عن معادلة الخير والشر.
وهذه قضايا طرحتها الأديان، ولها نتائجها الإيجابية الكبيرة.

قضية المصلح المنتظر(عليه السلام):
ولسنا في هذه المحاولة، إلا أمام القضية الأخيرة، وهي قضية المصلح المنتظر (عليه السلام)، التي تعبر عن إحدى المعادلات الثابتة، لأنها تتعلق بإحدى الغرائز المتأصلة في البر.
فالبشر - بمقتضى تركيبته الخاصة - لا يستقيم على طريقة، بغض النظر عن هوية الطريقة، فلا يبقى على الحق، ولا يدوم على الباطل، ولا يواصل الخير، ولا يستمر على الشر، ويكره الديمومة على شيء، مهما كانت حقيقة ذلك الشيء، وإنما يفضل التأرجح بين الأضداد، فالشجرة تدأب في منهجها ابتداءً من انطلاقها من النواة حتى نهايتها بلا تمزق بين المناهج، والجبل يواصل برنامجه منذ نشوئه حتى انتهاء عمره الطبيعي بلا تبعثر بين البرامج، والنجمة تنفّذ خطّتها من ميلادها حتى وفاتها بدون أدنى انزلاق، والنحلة تؤدي كل واجباتها حتى تسقط ضحية في مسيرة الواجب بلا تردد، ولكنه الإنسان، الذي لا يستطيع توظيب حياته في خط (.. فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين).
ولعل غريزة التأرجح بين الأضداد - أو غريزة التطور - وكّلت بالإنسان لتقليبه في المعادلات المختلفة، حتى تكشف كل مخابئه. وتنمي كل ما في أعماقه من نوايا وركائز، فتحقق بذلك هدفاً من أهداف الحياة. وهو تجربة الإنسان (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً لنفتنهم فيه). [سورة الجن: الآية 15 - 16].
فاستجابة لهذه الغريزة نجد الإنسان دائم الاندفاع بين أقطاب الإغراء الكثيرة المتنوعة، فهو يجب الشيء ويتدفق نحوه بلهفة حتى إذا تشبع منه أعرض عنه واتجه نحو ضده بشدة.
- مثلاً: إنه يجب السفر، فيواصله حتى يجوب الأقطار التي كان يفكر فيها، ثم يخلد إلى مدينة فلا يخرج منها مدى سنوات، ثم يبدأ من جديد رحلات واسعة.
- مثلاً: قد ترى إنساناً محافظاً ? تذكر له هفوات، ثم تجده ينفلت بعشوائية، وبعد حين يعاود سيرته الأولى.
- مثلاً: قد يظهر جيل محارب يتتبع الخلافات البسيطة، فيتمسك بها لإشعال الفتن والحروب، يعقبه جيل مسالم يتنازل عن أغلى ما لديه هروباً من المواجهة المسلحة.
- مثلاً: قد يقبل الناس على الأدب أو المسرح أو الرسم، حتى يقدّمونه على الخبز والماء، ثم يعرضون عنه حتى يفلس تجّاره.
وهكذا الدين، قد يظهر نبيّ أو إمام يحرك فطرة الناس في اتجاه الدين فيتهافتون على جوامعه ومجامعه باندفاع مخيف، ثم تتوتر الفطرة فيهم فيتجاهلون كل شيء منه بحيث يتحير دعاته. ويتساقطون تحت تيار الإلحاد، ولا يأخذ التيار مداه، حتى يبدأ بالانحسار، ويتوب الناس إلى رشدهم في اتجاه الدين من جديد، وكأنّه يطرح عليهم لأول مرة، ولم يطرح عليهم لأول مرة، وإنما هي دورة البشر الذي لا يطيق السير على خط واحد.
ولهذا كلما ظهر نبي أو إمام، واستطاع أن يعلي كلمة الدين - عرف أن ثورته تستهلك بعده، وأن خلفائه يعانون الثورة المعاكسة - فيبشرهم بأن الردة لن تكون القاضية، وأن المطاف الأخير سيكون لدينه. وأن الله سيظهر من يجدده، ويقود الناس إلى الصراط المستقيم.
فما من نبي إلا وبشر بمصلح عالي الصوت، شديد الوطء، يحرك التيار، وأمر الناس بالصبر عبر الخريف، وانتظار ذلك المصلح، والالتفات حوله إذا أدركوه.
لقد بشر نوح بإبراهيم، وبشر إبراهيم بموسى، وبشر موسى بعيسى، وبشر عيسى بمحمد، وبشر محمد بظهور المهدي ونزول المسيح، عليهم الصلاة والسلام.
فما ظهر دين إلا وطرح فكرة المصلح المنتظر، والديانات الحية اليوم كلها تهيئ لمصلح منتظر وإن اختلفت الأسماء، فاليهودية تبشر بالمسيح، والمسيحية تبشر بأحمد، والإسلام يبشر بالمهدي.

معطيات الفكرة:
وإذا أغمضنا النظر عن الأسماء نجد أن فكرة المصلح المنتظر تعني:
1- واقعية الأديان في استيعاب المستقبل، وفي استيعاب دورة البشر في الاتجاه نحو الدين والانحراف عنه، وفي الأخبار عن هذه الدورة.
2- تطمين المبشرين بأن لهم المطاف الأخير، حتى ? ييأسوا مهما ارتفعت درجة معاناتهم، ومهما استبدت الثورة المعاكسة بالأجواء.
3- تيئيس العاملين ضد الدين وضد المبشرين به، من نجاحهم في العمل ضد الدين، فإذا استطاعوا أن يهرجوا يوماً أو أياماً، فلا يعني ذلك أنهم أضحوا سادة الموقف، فالدين هو الخط الصحي العام، والانفلات فوضى لن تدوم.
4- تهيئة المؤمنين بالدين لاستقبال المصلح المنتظر، حتى يظلوا متأهبين له، وتأهبهم له يساوي إبقائهم موفوري القوى، وهذا يخدمهم قبل أن يخدم المصلح المنتظر، لأنهم ? يؤخذون على حين غرة من قبل أعدائهم، ولا يجمدهم الخمول، فهم - دائماً - تحت الإنذار، يراقبون الأجواء بلهفة وحذر.
5- تمهيد الأرضية الصالحة للمصلح المنتظر، حتى إذا انتفض لا يجد نفسه غريباً يبني ابتداءً من الحجر الأساس، وإنما يجد نفسه يرفع البناء على أساس من سبقه.
وهكذا كان، فلم يبعث نبي إلا وجد من ينتظره، ويسعى إليه من أقاصي الدنيا بهيام عميق. وهذه الظاهرة مما أوفدت أخوة الأنبياء، فكل واحد منهم كان مبشراً به من قبل السابقين عليه، فيصدق السابقين عليه ويبشر اللاحقين به، ويقوم بدور الحلقة الواحدة في المسلسل البعيد الطرفين. وليس الإمام المهدي المنتظر إلا حلقة في هذا المسلسل من المبشرين بهم والمبشرين بغيرهم.

المهدي في القرآن

المهدىّ فى القرآن
جلّ ما ورد بشأن المهدىّ (عج) فى القرآن الكريم، هى من دلالة باطن الآية الذى هو تأويلها دون تنزيلها.

قال رسول الله (ص): «ما فى القرآن آية إلاّ و لها ظهر و بطن»

سُئل الإمام ابوجعفر محمد بن على الباقر (ع) عن ذلك، فقال: «ظهرُها تنزيلها و بطنها تأويلها».

و البطن و التأويل، عبارة عن المفهوم العام المنتزع عن الآية، بعد إلغاء الخصوصيّات المكتنفة، لتصبح الآية صالحة للإنطباق على موارد مشابهة لمورد النزول، على مرّ الأيّام. الأمر الذى ضمن للقرآن بقاءه و شموله مع الخلود.

نعم ان للقرآن دلالة بحسب ظاهره، مما يرتبط و شأن نزول الآية. و دلالة اخرى عامة صالحة للانطباق على الموارد المشابهة حسبما يأتى من زمان. و بذلك أصبح القرآن حيّاً مع الأبد، و كان شفاء للناس و دواءً لأدوائهم فى مختلف الازمان و العصور.

* * *

فمن الآيات التى ورد تأويلا بشأن المهدى ـ (عج) ـ قوله تعالى:

(و نريد أن نمنّ على الذين استضعفوا فى الأرض و نجعلهم أئمَّة و نجعلهم الوارثين و نمكّن لهم فى الأرض)

ـــــــــــــــــــــ

هذه الآية نزلت بشأن قصّة فرعون و موسى و بنى اسرائيل.

و لكنّها عامة، إنها سنة الله جرت فى الخلق، أنّ الله تعالى سوف يأخذ بيد المستضعفين ليرفعهم على المستكبرين، و يورثهم ارضهم و ديارهم.

ففى حديث مفضَّل بن عُمَر، قال: سمعت ابا عبدالله (ع) يقول: انّ رسول الله (ص)نظر الى علىّ و الحسن و الحسين (ع) فبكى، و قال: أنتم المستضعفون بعدى.

قال المفضَّل: قلت: ما معنى ذلك؟ قال: معناه أنكم الأئمة بعدى ، انّ الله عزّوجلّ يقول: (و نريد ان نمنّ على الذين استضعفوا فى الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين)قال (ع): فهذه الآية جارية فينا الى يوم القيامة.

و فى نهج البلاغة: «لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها. و تلا عقيب ذلك: (و نريد أن نمنّ على الذين استضعفوا فى الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين)

الشماس: مصدر شمس الفرس، اذا منع من ظهره.

و الضروس: الناقة السيّئة الخلق تعضّ حالبها، عطفا على ولدها.


قال ابن ابى الحديد: و الأمامية تزعم أن ذلك وعد منه بالإمام الغائب الذى يملك الارض فى آخر الزمان. و اصحابنا يقولون: إنه وعد بإمام يملك الأرض و يستولى على الممالك، و لا يلزم ان يكون موجوداً. بل يكفى فى صحة هذا الكلام أنه يخلق فى آخر الوقت.

قلت، فقد اتفقت الكلمة بأن فى الآية وعداً بإمام يملك الارض و يستولى على البلاد، قبل ان تقوم الساعة. إنما الإختلاف فى أنه موجود الآن أم سوف يولد لوقته. لكنه من ولد على (ع) على أىّ حال.

* * *

و فى سورة الأنبياء (21: 105):

(و لقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادى الصالحون)

و المراد من الزبور: زبور داود، جاء فى سورة النساء (4: 163) و الإسراء (17: 55): (و آتينا داود زبوراً).

و هو: كتاب المزامير، الوارد ضمن كتاب العهد القديم. جاء فيه:

«كُفّ عن الغضب و اترك السُّخط، و لا تَفَرْ لفعل الشّر، لان عاملى الشرّ يُقطعون» .

«و الذين ينتظرون الربّ هم يرثون الأرض» .

«اما الوُدَعاء فيرثون الأرض و يتلذّذون فى كثرة السلامة»

«لان المباركين منه يرثون الارض، و الملعونين منه يُقطعون» .

«الصدّيقون يرثون الأرض و يسكنونها الى الأبد» .



و هكذا جاء فى سورة النور (24: 55):

(وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنّهم فى الارض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكّننّ لهم دينهم الذى ارتضى لهم و ليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً)

و هذا الوعد بالتمكين فى الأرض بصورة مستوعبة و مستمرة مع الأبد، لم يتحقق للامّة المسلمة فى اى وقت، سوى أنه وعد حتم يتحقق بظهور المهدى المنتظر(عج).

* * *

و جاء بشأن عيسى بن مريم و رجوعه الى الدنيا فى آخر الزمان و اتباعه للامام المهدى(عج) قوله تعالى: (و لما ضُرِب ابن مريم مثلاً اذا قومُكَ منه يصدّون. و قالوا ءَآلهتنا خير أم هو ما ضربُوه لك إلاّ جَدلاً بل هم قوم خَصِمون. إن هو إلاّ عبد أنعمنا عليه و جعلناه مثلاً لبنى اسرائيل) ـ الى قوله : (و إنّه لعِلْمٌ للسّاعة، فلا تمترُنّ بها و اتّبعونِ هذا صراط مستقيم)

قال ابن حجر الهيثمى: قال مقاتل بن سليمان و من تبعه من المفسّرين: انّ هذه الآية نزلت فى المهدى (عج).

قال: و ستأتى الأحاديث المصرّحة بأنه من اهل بيت النبوى. ففى الآية دلالة على البركة فى نسل فاطمة و على (ع) و ان الله ليخرج منهما كثيراً طيّباً، و ان يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة و معادن الرحمة. و سرّ ذلك انه (ص) اعاذها و ذرّيتها من الشيطان الرجيم، و دعا لعلى بمثل ذلك...

قال رسول الله (ص): «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم و امامكم منكم»

قوله تعالى: (و انه لَعِلْمٌ للساعة...) اى من علائم الساعة، حيث نزوله فى آخر الزمان.